بهاء الدين الجندي اليمني

435

السلوك في طبقات العلماء والملوك

بالمحيب إلى جنب قبر أبيه ، زرتهما معا وفقيههم يوم قدمت إليهم حسن بن علي بن الفقيه يحيى بن الفقيه فضل ، مسكنه النظاري يدرّس بمدرسة بنتها امرأة فوقفت عليها وقفا جيدا ، وكان صاحب دنيا واسعة ، ولما خشي من الظّلمة وتعسّفهم على نفسه وعلى المدرسة لاذ بالفقيه أبي بكر التعزي وتزوج ابنة لأخيه عمر فكان بذلك مستقيم الحال حتى هلك الوزراء بالتاريخ الآتي ذكره ، وحصل عليه بعض تعسّف ، ثم لما قدم ولد الفقيه أبي بكر على قضاء القضاة ، على ما سيأتي ذكره ، ولبث ما لبث ثم ظهر للمؤيد منه ما ظهر صودر هذا وحبس وعزّر ، وجرى له أمر لا يليق ذكره ، ولم تطل مدّته بعده ، بل توفي سنة ثماني عشرة وسبعمائة ، وكان ذلك تصديقا للأثر الذي هو « 1 » « من تعزّز بغير اللّه ذل » . ومنهم يحيى بن فضل بن الفقيه يحيى مقدم الذكر ، ولّاه القاضي محمد بن أبي بكر على طريق عادة حكام الوقت في كراهية من كان قبلهم ونوابهم ، وفيهم جماعة منهم سهيل ، يذكر عنه مروءة وشرف نفس ، ثم المأمون ، فقيهان خيّران ، لمّا قدمت المحيب قرأ عليّ المأمون ويحيى ومحمد بن عثمان شيئا من الأربعينات النووية « 2 » وهذا محمد بن الفقيه عثمان صاحب الأبيات وهو يومئذ شاب مبارك مترشح لطلب العلو ومنهم بنو الإمام ذكر ابن سمرة منهم جماعة وذكرتهم أيضا ثم تأخر عن زمانهم جماعة منهم الأخوان محمد بن الفقيه عبد اللّه بن الفقيه سالم الأصغر ، ومنهم أحمد بن محمد بن سالم أيضا وكانا فقيهين خيّرين ، لكن أحمد كان يقول الشعر وكانت فيه خفّة ، فسمّي لأجلها بالمجن « 3 » وكان يقول الشعر ويسلك طريق أبي الطيب المتنبّي فيرحل إلى أقيال اليمن وكرامها ويمتدحهم ويأخذ جوائزهم ، وكان فقيها فاضلا مترسلا مهذّبا متأدّبا . حكي أنه ترك شيئا من الكتب مع بعض مشايخ بني عمران في قلعة سير ، فعبث بها الفأر عبثا شنيعا ، فلما جاء لأخذها وجدها مبعثرة ، فعمل أبياتا منها قوله : مديح الفأر خير من هجاه * رجا شيئا فأدرك ما رجاه وأعطى ما أراد وما تمنّى * وأحظى الخلق من يعطى مناه

--> ( 1 ) كذا في « د » وفي « ب » بإسقاط الذي هو . ( 2 ) الأربعون النووية منسوبة إلى العلامة الإمام يحيى النووي المتوفى سنة 676 وهي مطبوعة ولها شروح وفي « ب » الأربعينات النبوية . ( 3 ) لا زالت هذه اللغة سائرة ومعروفة لمن كان فيه هذه الخفة تشبيها له بالمجنون .